جاء التقدير على لسان فؤاد حسين خلال لقائه نظيره الإيطالي في روما مساء الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول، بحسب بيان صادر عن مكتبه نقلته وكالة فرانس برس وقناة الجزيرة. وأوضح الوزير أن العراق تكبّد خسائر تُقدّر بنحو 60 مليار دولار خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى التراجع الحاد في الإيرادات النفطية نتيجة اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
ويكتسب الرقم أهميته من كونه أول تقدير إجمالي يصدر عن مسؤول عراقي رفيع بهذا الحجم، ومن توقيته الذي يتزامن مع ضغوط متراكمة على المالية العامة وسعر الصرف.
اقتصاد معلّق بممر واحد
تكشف الأرقام المتاحة حجم انكشاف الاقتصاد العراقي على مضيق هرمز. فقبل اندلاع الحرب، كان العراق ينتج نحو 4 ملايين برميل يومياً ويصدّر قرابة 3.5 ملايين برميل، يُشحن معظمها من موانئ الجنوب عبر المضيق. ومع تعطّل الملاحة، ولعدم توفر طاقة تخزينية كافية، اضطرت البلاد إلى وقف الإنتاج في معظم الحقول، واكتفت بكميات محدودة تُنقل بالصهاريج عبر سوريا وبالأنابيب عبر تركيا.
وسجّلت الصادرات تعافياً نسبياً في سبتمبر/أيلول، إذ بلغت 2.6 مليون برميل يومياً بين الأول والحادي والعشرين من الشهر، وفق بيانات وزارة النفط. غير أن هذا التحسن لا يعوّض بعد أشهر من الانقطاع، في بلد يشكّل فيه النفط نحو 90% من الإيرادات العامة.
وتنعكس هذه الفجوة مباشرة على الاحتياطات، إذ تراجعت احتياطات العملة الأجنبية بنحو 20 مليار دولار بحسب فرانس برس. وتعتمد الحكومة على الدولار المتأتي من النفط لتمويل الواردات ودعم الدينار ودفع رواتب موظفي القطاع العام ومعاشات المتقاعدين.
الدينار: تعديل بعد طول رفض
في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، خفّض البنك المركزي العراقي قيمة الدينار أمام الدولار بنحو 15%، متراجعاً عن موقف سابق كان يستبعد أي تعديل. ورُفع السعر الرسمي من 1320 ديناراً إلى 1500 دينار للدولار، مع تحديد سعر البيع للبنوك عند 1510 دنانير وللجمهور عند 1520 ديناراً، وفق ما أوردته صحيفة «ذا ناشونال» وقناة «الشرق».
وأفادت «الشرق» بأن سعر الدولار في السوق الموازية ببغداد قفز يوم القرار إلى 1780 ديناراً، وسط شلل شبه تام في الأسواق التجارية، فيما أكد البنك المركزي في بيان لاحق أن احتياطاته كافية لتلبية طلبات التحويل الخارجي. وبحسب الجزيرة، ظل السعر في السوق الموازية في بغداد خلال الأيام التالية أعلى من 168 ألف دينار لكل 100 دولار، ما يعني اتساع الفجوة مع السعر الرسمي الجديد.
ويحذّر مراقبون من انعكاس ذلك على أسعار المستهلكين، نظراً لاعتماد العراق الكبير على استيراد السلع الاستهلاكية. وتذكّر التجربة السابقة بحساسية هذا الملف، إذ خُفّض الدينار في ديسمبر/كانون الأول 2020 خلال أزمة انهيار أسعار النفط، قبل أن يُعدَّل لاحقاً إلى 1320 ديناراً.
أي هامش للمناورة؟
تراهن السلطات العراقية على مسارين: الاقتراض المحلي، وتنويع مصادر الدخل، مع هدف معلن لرفع الإيرادات غير النفطية من 10% إلى 45% بحلول عام 2037. لكن المسار الثاني طويل الأمد بطبيعته، فيما تبقى المعادلة على المدى القريب مرهونة بعاملين خارج سيطرة بغداد إلى حد بعيد: استقرار الملاحة في هرمز، ومستوى أسعار النفط.
وبين رقم الستين مليار دولار وتراجع الاحتياطات وتعديل سعر الصرف، تبدو الحرب الإقليمية قد كشفت هشاشة نموذج اقتصادي يقوم على مورد واحد وممر تصدير واحد، وهو ما يضع ملف تنويع منافذ التصدير والاقتصاد في صدارة النقاش العراقي خلال المرحلة المقبلة.





